مركز افاد : جرائم تطهير طائفية وسط تكتم حكومي في ديالى العراقية

تستعمل القوى المسلحة في محافظة ديالى شرقي العراق جرعات جديدة من العنف الطائفي بحق السكان المحليين في عدد من قرى شمال شرق المحافظة مرة أخرى، تحت أنظار السلطات الحكومية في بغداد والقوات الأمنية النظامية، في واحدة من أحدث صفحات العنف الممنهج بالمحافظة.

وعلى مدار الساعات الأخيرة سجل مرصد “أفاد”، مشاهدات ميدانية في عدد من القرى المنكوبة تستدعي أولا مطالبة الحكومة العراقية ومجلس القضاء الأعلى والادعاء العام بفتح تحقيق موسع لثبوت حصول جرائم إعدام ميدانية على الهوية وعمليات تطهير واسعة يحمل قسم منها شبهات التواطؤ لعدد من أفراد الشرطة في المنطقة بأخذ دور المتفرج ليلة الثلاثاء الماضي على فجر الأربعاء 27/ أكتوبر المنصرم، نفذتها جماعات مسلحة تستعمل شاحنات رباعية الدفع يحمل بعضها شعار “هيئة الحشد الشعبي”.

وفي إفادات متطابقة لثلاثة من أفراد فوج المغاوير التاسع السرية الأولى، وضابط برتبة نقيب في اللواء الأول بالجيش العراقي، يتواجدون حاليا بمحيط القرى المنكوبة شرقي ديالى، أعربوا عن اعتقادهم أن ثمة جثثاً ما تزال في بساتين قرية “نهر الإمام”، وداخل عدد من المنازل لغاية الآن تعود لمدنيين تم إعدامهم.

وقال أحدهم شريطة عدم ذكر اسمه إن القرية مغلقة حاليا ولا يسمح لأحد بالدخول بأوامر وصفها عليا، لكنه أكد وجود جثث لمدنيين بعضهم من عائلة واحدة، ما تزال في بساتين تتبع أحد أفراد عشيرة المهداوية شرقي القرية، ومنزلين كبيرين بالقرية. ولدى عرض هذه الشهادة على أحد أفراد الشرطة أجاب بالقول “احتمال كبير”، مبينا أنهم يتواجدون خارج القرية ولا يسمح لهم دخولها إلا بأوامر عليا لوقوع عمليات سرقة أيضا في اليومين الأولين من الهجوم عليها تزامنت مع عمليات الحرق والتدمير.

مؤكدا أنهم نقلوا إلى مستشفى المقدادية العام وعبر سيارات أمنية، جثثا لأربعة مدنيين مرة واحدة، بينهم رجل مسن معروف في القرية ويبلغ زهاء السبعين عاما تم إعدامه في باحة منزله عقب الهجوم على قرية نهر الإمام.

وتظهر بيوت تَصاعَدَت منها ألسنة الدخان الأسود من النوافذ والأبواب وطبع على جدران إسمنت غير مطلية بالدهان على غرار بيوت الريف العراقي، كما تظهر بشكل واضح مشاهد من على طريق ترابي غير معبد يربط قرية نهر الإمام مع قرى مجاورة آثار حرق المركز الصحي الوحيد، وبساتين حمضيات ونخيل محترقة، بينما تظهر في مشارف قريتي العامرية والميثاق، آثار عمليات قصف بقذائف المورتر وهو ما اضطر أهلها إلى مغادرتها.

كما تظهر المواشي هائمة بلا رعاية، وعلّق أحد أفراد الأمن بشكل مقتضب لدى سؤاله بالقول إنها “تعود لأهل القرية وخرجت تبحث عن الطعام”، وكان من بينها أبقار وخراف بأعداد ليست كثيرة، كما تظهر سيارات محترقة على الطريق الفرعي الذي يربط القرى المنكوبة بالطريق “القديم”، الذي تتوزع اتجاهاته لعدد من مدن جنوب وغرب ديالى، تعرضت للتخريب خلال فرار الأهالي من قبل المسلحين، أحدها من طراز كيا صالون، وأخرى نوع نيسان وتظهر سيارة أخرى حديثة من طراز تويوتا “لاندكروز”، تم سرقة أجزاء عدة منها وتركها بمكان قريب قال عنصر أمن أن المهاجمين أعطبوا إطارات كثير من سيارات النازحين الفارين لإجبار النساء والأطفال على المشي عدة كيلو مترات وقاموا بعدها بحرق سيارتهم، لكنه أشار بإصبع يده إلى السيارة المعطوبة مشككا بسبب عدم حرقها مثل السيارات الأخرى بالقول “إنها حديثة”، في إشارة إلى أن المهاجمين أخذوا أجزاءً مهمة منها.

ولغاية الآن أحصى مرصد “أفاد”، مقتل 12 عراقيا بينهم طفل وصبي قتلوا بشكل مباشر في قرية نهر الإمام، لكن جميع الإفادات أيدت معلومات وجود ضحايا آخرين في القرية قتلوا أيضا بطريقة الإعدام على يد المليشيا التي اقتحمت القرية في ساعة متأخرة من ليلة الثلاثاء الموافق 26 أكتوبر الشهر الماضي، ومما يعزز ذلك هو استمرار بعض العائلات الفارة البحث عن أشخاص كانوا متواجدين بينهم لحظة اقتحام المسلحين منازلهم وهم نيام وخاصة المربع القريب من المستوصف الصحي ومسجد الرحمن إذ تركزت الجرائم عليهم أكثر من غيرهم بالقرية.

ويظهر اسم شخص يدعى “أبو سجاد”، وهو عضو بارز في منظمة بدر في نهاية العقد الثالث من العمر، كأحد الشخصيات الرئيسة في تنفيذ الهجوم على قرية نهر الإمام من بينها عمليات إعدام وحرق منازل وتوجيه شبان يحملون أسلحة إلى قتل من يرونه في القرية بدوافع الثأر والانتقام. وقام أبو سجاد بعد ساعات من الهجوم الأول بأخذ دفعة مسلحين آخرين إلى القرية ذاتها وقتل اثنين أحدهم موظف بصفة عقد في وزارة الكهرباء ضمن دائرة سد حمرين.

كما يتصدر اسم آخر ويدعي أبو حسن التميمي اسمه الحقيقي سلام التميمي ويعمل شرطي في ديوان محافظة ديالى، في المشاركة بالهجمات التي انتهت بتنفيذ إعدامات بحق مدنيين بدون محاكمات وداخل منازلهم
ووصف مسؤول محلي في المقدادية سلام التميمي بأنه كان عضوا في جماعة “جيش المهدي”، قبل انشقاقه منذ سنوات عديدة.

كما تم رصد عمليات طرد لأسر في مناطق أخرى يفترض أنها آمنة داخل مدينة المقدادية قام بها أشخاص تحت غطاء منظمة” بدر”، وقال أحدهم لمرصد “أفاد”، في اتصال جرى تأمينه عبر تطبيق “واتساب” إنه ذهب للشرطة ونصحوه بالمغادرة مؤقتا بعد ما طلب منهم حمايته والتحقيق في الجهات التي أرسلت التهديد.

وحتى الآن بلغ عدد الأسر النازحة من قرى، نهر الإمام، الميثاق الأولى، الميثاق الثانية، العامرية، قرابة 480 عائلة توزعت على عدة مناطق أبرزها خانقين والكاطون وبعقوبة وحمرين وشهربان، بينما سجل وصول عائلات إلى العاصمة بغداد أيضا، لكن التركيز الأكبر حاليا للأسر الفارة من هجمات المليشيات كانت وما تزال في منطقة الكاطون توزع أغلبهم على مسجد ومنازل مواطنين في مبادرات إنسانية كريمة شهدتها ديالى بهذا الإطار.

كما سجل تهجير الكثير من العائلات الموجودة أساسا في قرية الرشاد والمعروفة بـ”الهواشة”، لأسباب طائفية وتقتنع الأوساط السياسية في محافظة ديالى بينهم مرشح فاز في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي أجريت بالبلاد في العاشر من الشهر الماضي، بأن غالبية المتورطين بالهجمات على القرى ينتمون لفصيل “بدر”، المسلح وشارك آخرون معهم يعملون ضمن فصيل “سرايا السلام”.

كما يدعو مرصد أفاد”، لإطلاق سراح عدد من الناشطين الذين تم اعتقالهم بأمر من محافظ ديالى مثنى التميمي، على خليفة توجيه انتقادات للحكومة المحلية بشأن سوء تعاملها مع الأزمة واتخاذها دور المتفرج على الانتهاكات المروعة بحق المدنيين العزل ومنهم إمام وخطيب جامع الزيتوني أحمد المهداوي الذي اعتقل الخميس الماضي بشكل غير قانوني.

ومع طي الأسبوع الأول من وقوع جرائم الانتقام الطائفي والقتل على الهوية ما تزال حكومة رئيس الوزراء العراقي تلتزم الصمت وترفض التعليق على جملة من الانتهاكات الإنسانية المروعة التي ارتكبت، وحاول مسؤولون في الحكومة التكتم أو تشويه الصورة بمعلومات مضللة ومنهم الجنرال تحسين الخفاجي، والمتحدث العسكري باسم الحكومة يحيى رسول.

إن مرصد “أفاد”، يرى أن الاعتداء الإرهابي الذي شهدته قرية الرشاد وراح ضحيته 13 شهيدا ونحو 15 جريحا آخرين يستوجب التحقيق أولا لمعرفة تفاصيل ملف كاميرات المراقبة التي تغطي مساحة وقوع الاعتداء بالكامل، وكذلك التحقيق بطريقة دخول المسلحين في منطقة تحتوي على ثلاثة تشكيلات أمنية مختلفة إضافة إلى وحدات “الحشد الشعبي”، مع وجود 11 سيطرة ونقطة مراقبة وحاجز تفتيش.

كما أن التقرير الأمني الأول أكد انسحاب الإرهابيين بعد تنفيذ الاعتداء في اتجاه معاكس للقرى التي تم تنفيذ الهجوم عليها والتنكيل بأهلها وهو ما يؤكده استمرار المهاجمين بعمليات قتل وحرق وتهجير من طرف واحد دون أن تكون هناك أي مقاومة أو حتى محاولة دفاع عن النفس من قبل الأهالي العزل، إضافة إلى أن قوات الجيش لاحقت المهاجمين بالاتجاه المعاكس لغاية الساعة الواحدة من فجر الأربعاء.

يعتبر مرصد “أفاد”، ومن خلال المشاهدات الميدانية والاستماع لشهود عيان وأفراد الأمن وعائلات الضحايا، بأن ما جرى هو عملية تطهير طائفية نفذت من قبل فصائل محمية ومرعية حكوميا وبسلاح وسيارات الدولة، وتحمل بالوقت ذاته دوافع تغيير ديموغرافي مبيتة إذ أن التدمير الذي طال القرى لا يمكن إصلاحه في أشهر حيث أحرقت عشرات المنازل وجرفت مزارع وأتلفت البنى التحتية الرئيسة للحياة فيها منها المركز الصحي ومحطة المياه الوحيدتين في القرية.

يُحمّل مرصد “أفاد”، الحكومة العراقية الحالية، مسؤولية إضافة مناطق جديدة لخارطة المناطق منزوعة السكان في العراق، إلى جانب جرف الصخر، ويثرب والعوجة والعويسات وذراع دجلة وعزيز بلد وقرى السعدية وغيرها، بعد اتخاذ الحكومة والقوات الأمنية دورا متفرجا على عمليات التنكيل والقتل الطائفي والتهجير القسري دون أداء مهامها الدستورية والأخلاقية بحماية المدنيين .

ويدعو مرصد “أفاد”، المنظمات المحلية والدولية إلى مساعدة العائلات الفارّة من هذه القرى بأسرع وقت ممكن حيث تم تسجيل حالات مرضية عديدة بينهم، وقالت سيدة إن الجميع خرجوا فقط بملابسهم دون حمل أي شيء آخر، في إشارة إلى حاجة النساء إلى مستلزمات خاصة وملابس وأدوية فضلا عن الغذاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *