المهندس رضوان حموشي: الحدباء المنارة أيقونة لمدينة وأيقونة لبلد ورمز عالمي

إطلاقاً، لا في الواقع ولا حتى في الحلم. ولم أتخيّل يوماً أن تسقط المنارة أساسا ولم اتخيل ان اسمى بين ابطال اعادة بنائها

عمان – مجيد السامرائي

قال لي :: جئت من أديلايد في جنوب أستراليا، إلى الموصل.

بعد ان زرت: خمسين أو ستين دولة، أمّا الإقامة فكانت في ثلاث دول رئيسة: عشت في ماليزيا، وعشت في دبي، وكذلك في أستراليا، وكنت أعمل في جميع هذه البلدان

يبدو سعيدا جدا بل اسعد من جميع من ارتقوا اعلى شاهق في مسقط رأسه : الموصل

رضوان حموشي يمتلك لغة جسد عالية لاتخرج الكلمة من فمه الى الفضاء او الحيز القريب الفاصل بيينا الا بعد الضغط عليها فتكون ذات سباكة خاصة

شعوري الان لا يوصف حقيقة. يوم الثالث عشر من كانون الأول عام 2024 وُضِعت آخر قطعة طابوق على قمة منارة الحدباء، وكان ذلك يوماً استثنائياً بالنسبة لنا جميعاً.

: يُقال إن عدد القطع التي استُخدمت في إعادة البناء كان كبيراً جداً. هل يمكن أن توضح ذلك؟

: نعم، استُخدم قرابة ربع مليون قطعة طابوق، من ضمنها ستة وعشرون ألفاً وخمسمائة قطعة أصلية تم جمعها من تحت الأنقاض بعد الانفجار.

س: هل يعني ذلك أن البناء كله أُنجز من مواد قديمة؟

ج: لا، الطابوق الأصلي استُخدم فقط في الغلاف الخارجي للمنارة، أما الجزء الداخلي فكان جديداً، لأن أغلبه دُمّر بالكامل أثناء الانفجار.

: وماذا عن المواد الرابطة القديمة؟ هناك حديث تاريخي مثير حولها

خذه هذه : دلت التحريات الأثرية في أساس مئذنة الحدباء بالجامع النوري في الموصل أنه يتكون من حجارة كلسية غير مهندمة تربطها مع بعضها مادة (النورة الكلسية) الممزوجة بـ (حرق عظام الحيوانات) المكون من مادة المغنيسيوم بحيث أدى ذلك إلى تكوين مركب كيميائي يعرف بـ (البلمرة) له قابلية كبيرة على مقاومة الرطوبة وتأثيراتها، وإحداث نوع من الليونة تحد من عملية التكسر على المدى البعيد

هذا ما اكده الاكاديمي أحمد قاسم الجمعة الحاصل على شهادة الدكتوراه في الآثار الإسلامية من جامعة القاهرة، قسم الآثار الإسلامية عام 1975م

كيف تصف شعورك بعد اكتمال العمل؟

ج: شعور لا يوصف حقيقة. يوم الثالث عشر من كانون الأول عام 2024 وُضِعت آخر قطعة طابوق على قمة منارة الحدباء، وكان ذلك يوماً استثنائياً بالنسبة لنا جميعاً.

س: يُقال إن عدد القطع التي استُخدمت في إعادة البناء كان كبيراً جداً. هل يمكن أن توضح ذلك؟

ج: نعم، استُخدم قرابة ربع مليون قطعة طابوق، من ضمنها ستة وعشرون ألفاً وخمسمائة قطعة أصلية تم جمعها من تحت الأنقاض بعد الانفجار.

س: هل يعني ذلك أن البناء كله أُنجز من مواد قديمة؟

ج: لا، الطابوق الأصلي استُخدم فقط في الغلاف الخارجي للمنارة، أما الجزء الداخلي فكان جديداً، لأن أغلبه دُمّر بالكامل أثناء الانفجار.

س: وماذا عن المواد الرابطة القديمة؟ هناك حديث تاريخي مثير حولها.

وهذا أمر تاريخي فعلاً، وأنا شخصياً لم أكن أعرفه من قبل.

س: أما في الترميم الحديث، فما نوع المواد التي استُخدمت؟

ج: جرى استخدام أحدث تقنيات الترميم الإيطالية، وتم جلب نحو 700 طن من المواد الرابطة من إيطاليا خصيصاً لإعادة بناء المنارة.

: حين نتحدث عن الميلان، يتبادر إلى الذهن فوراً برج بيزا المائل. هل الحالة الهندسية متشابهة؟

: نعم، من حيث المبدأ الهندسي، هناك تشابه. فكل من منارة الحدباء وبرج بيزا، وكذلك منارة جامع الخلفاء في منطقة سوق الغزل، تعاني من الهبوط غير المنتظم في الأساسات.

س: وما السبب الرئيس لهذا الهبوط غير المنتظم؟

ج: يعود ذلك إلى ضعف التربة، ووجود المياه الجوفية، وأحياناً إلى العاملين معاً، إضافة إلى تقادم عمر المنشأ.

س: هل كانت المنارة في الأصل مستقيمة؟

ج: نعم، كانت مستقيمة في بداياتها، ثم بدأ الميلان يظهر تدريجياً عبر الزمن.

س: هناك رواية شائعة تقول إن تسمية المدينة بالحدباء جاءت من ميلان المنارة. ما رأيك؟

ج: توجد روايات متعددة، لكن الأرجح – بحسب قراءاتي – أن تسمية الموصل بالحدباء جاءت من تحدّب وانحناء مجرى نهر دجلة بالقرب من المدينة، وليس من المنارة نفسها.

س: بعد إعادة البناء، كم بلغ مقدار الميلان حالياً؟

ج: الميلان الآن متر وخمسة وستون سنتيمتراً.

س: وكم كان قبل التفجير؟

ج: كان قرابة مترين وستين سنتيمتراً، وكان يشكّل خطراً حقيقياً ويهدد بسقوط المنارة.

س: لماذا اعتمدتم هذا الرقم الجديد تحديداً؟

ج: بعد إجراء الحسابات الهندسية الحديثة، تبيّن أن مترًا وخمسة وستين سنتيمترًا هو ميلان مسيطر عليه ومقبول هندسياً وآمِن.

س: هل كان لأهالي المدينة رأي في مسألة إعادة الميلان؟

ج: نعم، جرى استفتاء داخل المدينة عبر جامعة الموصل، وأظهرت النتائج أن أكثر من 90% من السكان أرادوا أن تعود المنارة حدباء كما كانت.

س: إذن يمكن القول إن عودة الميلان كانت خياراً مجتمعياً بقدر ما كانت قراراً هندسياً؟

ج: بالضبط، كان خياراً مدروساً هندسياً ومسنوداً برغبة واضحة من أبناء المدينة.

س: بالنسبة إلى منارة سوق الغزل، لماذا تعاني من المشكلة نفسها؟

ج: السبب ذاته تقريباً، وهو ارتفاع منسوب المياه الجوفية؛ فالماء حالياً يبعد أقل من مترين عن سطح الأرض، وقد وصل إلى الأساسات، مما تسبب بظهور مناطق ضعف.

س: وهل كان الميلان يزداد بمرور الوقت هناك؟

ج: نعم، كان يزداد بمعدل قد يصل إلى سنتيمترين في الشهر.

س: في ختام هذا الجزء، هل ترى أن ما جرى إنجازه يمكن أن يشكّل تجربة عالمية في مجال الترميم؟

ج: الحمد لله، نعم. التجربة اليوم تحظى باهتمام واسع، ونأمل أن تكون إ نموذجاً علمياً وإنسانياً في إنقاذ المعالم التراثية المهددة.

س: بين السفر والعمل في الخارج، كم دولة زرتها أو عشت فيها؟

ج: زرت أكثر من خمسين أو ستين دولة، أمّا الإقامة فكانت في ثلاث دول رئيسة: عشت في ماليزيا، وعشت في دبي، وكذلك في أستراليا، وكنت أعمل في جميع هذه البلدان.

س: حالياً، من أين جئت إلى الموصل؟

ج: جئت من أديلايد في جنوب أستراليا، إلى الموصل.

س: ولماذا وافقت على الحضور بهذه السرعة؟

ج: لأن الموصل هي مسقط رأسي.

س: دعني أسألك عن لحظة سقوط المنارة… كيف تصف شعورك في تلك الليلة؟

ج: كانت أصعب لحظات حياتي. كنت أشاهد المشهد في التلفاز، وعائلتي تجلس معي، وكنت أتابع يومياً أخبار التحرير في المدينة.

في اليوم الذي شاهدت فيه سقوط منارة الحدباء بكيت بطريقة لم أبكِ مثلها من قبل. خجلت من أطفالي، فغادرت الصالون وأغلقت على نفسي الغرفة، ولم أتحدث مع أحد إلى اليوم التالي.

س: هل توقعت يوماً أن يكون لك نصيب في إعادة بنائها أو أن تُستدعى لهذا العمل؟

ج: إطلاقاً، لا في الواقع ولا حتى في الحلم. ولم أتخيّل يوماً أن تسقط المنارة أساساً.

س: حدّثنا عن فريق العمل في مشروع إعادة البناء، كم كان عددهم؟

ج: في موقع المنارة وحده وصل عدد العاملين إلى نحو 125 شخصاً.

س: ومن أي جنسيات كان الفريق؟

ج: جميعهم عراقيون ومن أبناء مدينة الموصل حصراً.

س: من كانت الجهة الداعمة للمشروع؟

ج: الدعم كان من دولة الإمارات العربية المتحدة، وبإشراف وتعاون مع منظمة اليونسكو.

س: المنارة أيقونة عمرها قرابة ثمانية قرون ونصف، وذُكرت في كتب الرحالة والمؤرخين بوصفها فريدة الطراز بزخارفها الآجرية الإسلامية. ما الذي تمثله لك هذه المنارة بعد كل هذا التاريخ؟

ج: هي ليست مجرد بناء، بل رمز لمدينة بأكملها، وأيقونة لا تشبه غيرها.

س: بعد أول رفع فعلي لأجزاء المنارة أثناء العمل، ما الإحساس الذي انتابك؟

ج: شعور لا يوصف. بناء هذه المنارة كان تحدياً حقيقياً:

تحدياً للتفجير، وتحدياً للميلان، وتحدياً لقدم المنشأ.

س: من الناحية الهندسية، ما الذي يجعل هذا المشروع استثنائياً؟

ج: على حد علمي المتواضع، هذه من المرات النادرة – وربما الأولى – التي يُعاد فيها بناء منشأ مائل بهذا الارتفاع في القرن الحادي والعشرين، وبمواد بسيطة: طابوق ومونة فقط، ومن دون تسليح.

لو كان البناء بالخرسانة المسلحة لكان الأمر أسهل من ناحية الحسابات والتنفيذ، لكن أن تُبنى منارة بهذا الارتفاع، فوق أجزاء مهدّمة، وبالطريقة القديمة نفسها التي استُخدمت قبل 850 سنة، فهذا تحدٍّ كبير جداً.

س: ذكرت أن بعض المواد حديثة المصدر، فكيف تفسر ذلك مع الحفاظ على الطابع التاريخي؟

ج: نعم، استُخدمت مواد حديثة – إيطالية المصدر – لكنها ليست إسمنتية ولا خرسانية، وإنما مواد أقرب إلى المادة الأصلية ولكنها أقوى قليلاً، حفاظاً على فلسفة البناء القديمة.

س: فيما يتعلّق بالدراسات العلمية المرتبطة بالمنارة، أشرت سابقاً إلى دراسة أكاديمية مهمة. هل لك أن توضّح؟

ج: نعم، اطّلعت على عمل علمي للدكتور أحمد قاسم الجمعة أثناء دراسته للدكتوراه في جامعة القاهرة، وكانت الدراسة تتناول عناصر جغرافية ونباتية وهندسية، وربما حتى حيوانية، لها علاقة بالمنارة وزخارفها.

س: عملياً، كيف استطعتم إعادة تجميع الزخارف بهذه الدقة؟

ج: كان هناك فريق كبير يعمل على التجميع، إضافة إلى مصادر تاريخية ودراسات سابقة.

ومن حسن الحظ أنه بعد الانفجار وُجدت قطع أصلية كبيرة نسبياً، يمكن أخذ قياسات الزخرفة منها بدقة، فتم قياسها ورسمها من جديد، ثم تنفيذها على هذا الأساس.

س: وما طبيعة هذه الزخارف من حيث التقسيم والشكل العام؟

ج: تتكوّن الزخرفة من سبع مناطق رئيسة، بينها ثمانية فواصل، وقد أُعيدت كما كانت تماماً.

ويظهر فيها بوضوح انتماء العناصر الزخرفية إلى طراز الأرابسك.

س: بصراحة، هل كنت معنياً بتسمية أنواع الزخارف وتصنيفاتها الفنية؟

ج: الحقيقة، لا أدّعي ذلك. أنا مهندس منفّذ، أعمل وفق الخرائط المعتمدة.

تفاصيل التسميات الدقيقة للنقوش والزخارف لها مختصون يعرفونها أفضل مني.

س: ننتقل إلى جانب آخر من خبرتك… قيل إنك مهندس طرق وجسور أيضاً؟

ج: نعم، عملت مهندس طرق وجسور، وبنيت العديد من الجسور في دول مختلفة.

س: من الجسور التي أثارت إعجابك عالمياً؟

ج: بلا شك جسر ميناء سيدني.

على حدّ علمي، بُني في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، في زمن كانت فيه المنشآت الحديدية هي السائدة قبل تطور تقنيات الشد في الخرسانة وظهور الجسور المعلّقة الحديثة.

س: هل لديك علاقة عاطفية خاصة مع الجسور في الموصل؟

ج: نعم، كنت أشاهد في الأخبار أثناء عمليات التحرير تفجير الجسور الواحد تلو الآخر، وكنت أحزن كثيراً.

تفجير خمسة جسور كان موجعاً جداً، لكن الحزن الأكبر بالنسبة لي كان سقوط منارة الحدباء.

س: لماذا كان وقع سقوط المنارة أشدّ عليك من غيره؟

ج: لأنني حين رأيت المنارة تُهدم بهذه الطريقة، شعرت أن هناك من يحاول أن يقتل العراق نفسه…

لكن العراق لا يموت.

س: هل تشعر أنك كنت معنيًّا شخصياً بالنجدة، وكأن النداء كان موجهاً إليك؟

ج: الحمد لله ربّ العالمين، توفيق من الله للمدينة قبل أي شيء. الحقيقة كان التقديم مفتوحاً وشفافاً جداً، وتم اختيار أفضل عرض من الناحية الفنية والتنفيذية.

س: وهل كان هذا المشروع هو الأول في هذه المرحلة؟

ج: لا، في الوقت نفسه كنا نعمل في كنيسة الطاهرة، وهي من المواقع المهمة التي أُعيد ترميمها.

س: هي الكنيسة التي زارها بابا الفاتيكان، أليس كذلك؟

ج: نعم، زارها البابا فرنسيس، وكان لتلك الزيارة أثر رمزي كبير، وبعد إنجاز هذا المشروع انتقلنا مباشرة إلى منارة جامع أخرى مقابلة للجسر القديم.

س: تقصد المنارة التابعة للجامع التاريخي؟

ج: نعم، منارة الجامع النوري الكبير، ويعود عمرها إلى نحو أربعمائة سنة تقريباً، وكانت هي الأخرى مدمّرة بالكامل.

س: وأنت تعمل في هذه المواقع التاريخية، هل تشعر أنك تعيش زمننا أم أنك تعود إلى زمن آخر؟

ج: بصراحة، أشعر أحياناً أنني أعيش في زمن آخر، زمن سابق، لا زمننا الحالي.

س: وأنت تعيش منذ سنوات خارج العراق، هل اختلفت مشاعرك حين عدت هذا العام؟

ج: نعم، كلياً. العراق هو بلدي الأصلي. صحيح أن أستراليا احتضنتني، وهي بلدي الثاني، لكن بلدي الحقيقي هو العراق.

الأكل العراقي، الناس، الأصدقاء، المقاهي… كل شيء هنا مختلف.

س: دعنا نعود إلى طفولتك قليلاً. أين كانت؟

ج: طفولتي كانت في منطقة تُسمّى الحيّ الزراعي، على بعد ثلاثة أو أربعة كيلومترات من هنا تقريباً.

بيوت أجدادي كانت قريبة جداً من هذه المنطقة.

س: كيف تصف تلك الطفولة؟

ج: طفولة بسيطة جداً، في سبعينات القرن الماضي.

كنّا نلعب كرة القدم في الأزقة، ونشاهد التلفزيون العراقي. لم تكن إلا قناتان فقط، وكنا ننتظر برامج الأطفال بعد تلاوة القرآن الكريم. وفي العطلة الصيفية كان البث يبدأ في وقت متأخر نسبياً.

س: ونحن الآن في أي منطقة من الموصل تحديداً؟

ج: نحن قريبون من منطقة السناجرة، وهي تُعرف أيضاً بمنطقة الجامع الكبير أو جامع النوري، وتُعد جزءاً من الموصل القديمة.

س: لنعد إلى العمل الفني. كيف كانت تُعاد الزخارف بعد كل هذا الدمار؟

ج: كانت القطع تُجمع واحدةً واحدة، مثل قطع الدومينو.

ثم نُجري نماذج وتجارب لتشكيل الزخرفة، باستخدام مواد خفيفة مثل البلاستيك أو الخشب الخفيف، ونصنع قوالب تجريبية، ونُعيد رسم الزخرفة بالقياسات الدقيقة قبل تنفيذها.

س: هل كانت المنارة تراودك في أحلامك؟

ج: في بعض الأيام لم أكن أنام أصلاً حتى أحلم.

كان لدينا طريق واحد فقط: أن تعود المنارة كما كانت، وربما أقوى.

س: كيف كان نظام العمل اليومي؟

ج: كنا نبدأ العمل من الرابعة أو الخامسة فجراً، ونستمر حتى منتصف الليل أو الواحدة بعده.

عمل متواصل تقريباً، أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع، ولا نتوقف إلا لساعتين أو ثلاث للراحة.

س: يلاحظ المتابع عليك انفعالاً واضحاً وتعابير وجه قوية حين تتحدث عن المنارة. كيف تفسّر ذلك؟

ج: هذه ليست مجرد حالة مهنية، بل حالة إنسانية.

المنارة أيقونة لمدينة، وأيقونة لبلد، ورمز عالمي.

منذ بداية الحديث شبّهتموها بـ برج بيزا المائل، وهي فعلاً تُذكر في بعض الكتب إلى جانبه.

س: برأيك، هل كان لميلانها دور في شهرتها؟

ج: نعم، تماماً. مثل برج بيزا، لو كان مستقيماً لما نال كل هذه الشهرة.

وكذلك المنارة، لو كانت مستقيمة لكانت شهرتها أقل بكثير.

س: وكيف تنظر إليها من حيث رمزيتها للمدينة؟

ج: كانت جميلة، رشيقة، منحنية وكأنها تُحيّي الزائر الداخل إلى مدينة نينوى.

كانت تقول للداخل: أهلاً بك في نينوى.

س: نأتي إلى المشكلة الكبرى… المياه الجوفية. كيف عالجتم هذا الخطر؟

ج: لم نقطع المياه الجوفية، لكننا عالجنا تأثيرها.

قمنا بإنشاء ركائز عميقة، شبيهة بركائز الجسور أو منصات النفط في البحار، ونزلت هذه الركائز إلى عمق 34 متراً تحت الأرض، ثم رُبطت بالأساس القديم.

س: ماذا تحقق بذلك عملياً؟

ج: كُبّر حجم الأساس بالكامل وأصبح أكثر استقراراً، ولم تعد المياه الجوفية تؤثر فيه كما في السابق.

س: ماذا عن القاعدة القديمة للمنارة بعد التفجير؟

ج: الذين فجّروها لم يكونوا يتوقعون أن بدن المنارة والأساس سيتعرضان لهذا الدمار.

القاعدة تضررت بشدة، وتمت إزالة جميع الأجزاء الرخوة حتى عمق 34 متراً تقريباً.

استغرق ذلك أشهراً طويلة، بينما كان البناء بعد ذلك يسير بوتيرة أسرع.

س: هل تعتقد أن غربة الأبناء قد تُنقص من عراقيّتهم؟

ج: عندي بنت وولد.

البنت ميولها إلى العراق كبيرة جداً، وهي تزور العراق كل سنة تقريباً، وتبقى شهرين أو ثلاثة، وتحِبّ العراق وتحبّ بغداد بجنون.

أما الولد فميوله في المنتصف، نصف هنا ونصف هناك.

س: وكيف تحاول أن تُبقي ارتباطهما بالهوية العراقية؟

ج: أحاول أن أعلّمهما قدر ما أستطيع.

الولد مثلاً لا يزال يتصرّف بطريقة عراقية، ويلبس الدشداشة، وأحياناً يكون مظهره نصف عراقي ونصف غربي.

س: هل يشعر أبناؤك أنك بطل بالنسبة لهم؟

ج: أنا لا أقدّم نفسي بهذه الصورة.

أنا أؤدي واجبي فقط بأقصى ما أستطيع، والبقية هم من يحكمون.

س: هل اصطحبت أبناءك إلى المواقع التي عملتَ فيها؟

ج: نعم. جئتُ بالبنت والولد إلى هنا، وأخذتهم أيضاً إلى الكنيسة، وأخذتهم إلى بعض الجسور التي بنيتُها، واصطحبتهم إلى ماليزيا، وإلى دبي، وشاهدوا أماكن عملي، ولا سيما الجسور الكبيرة.

س: أنتم خرجتم من العراق في فترة صعبة جداً؟

ج: نعم، خرجنا في فترة الحصار، وكان لا خيار أمامنا إلا النجاح… كان لا بد أن ننجح.

س: هل فخر أبنائك بعملك في الخارج يشبه فخرهم اليوم بما أنجزته هنا؟

ج: لا، أبداً.

اليوم الأمر مختلف تماماً.

في البيت توجد نماذج للحدباء تملأ جزءاً كبيراً من الصالون، بين صور ونماذج وثري دي.

هم يعرفون أن هذه مدينة أبيهم، ومدينة جدّهم، ومدينة أجدادهم، وبلدهم.

يفتخرون بالعراق أكثر من أي مكان آخر.

س: وأنت تتنقل بين هذه المشاريع، يبقى اسمك مرتبطاً أيضاً بكنيسة الطاهرة في الموصل؟

ج: نعم، لي تجربة مهمة في كنيسة الطاهرة، وهي محطة لا يمكن نسيانها.

س: دعنا ننتقل إلى لحظات الانتكاس أثناء العمل في المنارة.

هل مررتَ بلحظات يأس؟

ج: بصراحة، لم أصل إلى مرحلة اليأس.

كنت دائماً أضع أمامي هدفاً واحداً: النجاح، والنجاح فقط.

س: ما أصعب عقبة واجهتك فعلياً في التنفيذ؟

ج: أصعبها كانت في القاعدة.

كنا بحاجة إلى نوع من الأحجار يتحمّل أحمالاً كبيرة جداً لأغراض التصميم حتى تعود القاعدة إلى التماسك.

ولم نجد هذا النوع من الحجر في المقالع القريبة.

س: كيف تم حل هذه المشكلة؟

ج: كنا نجلب الحجر من مقالع تبعد عن الموصل ثلاثين أو أربعين كيلومتراً.

كنا نفحص العينات مرات كثيرة، أحياناً ينجح الفحص اليوم، وبعد ثلاثة أو أربعة أيام يفشل فحص آخر من المقلع نفسه.

هذا الحجر مادة طبيعية خاضعة لظروف خلق رباني، وليس صناعة بشرية.

س: وبقية العقبات؟

ج: بتخطيط جيد، وبتوفيق من الله، كانت تُحل واحدة بعد أخرى.

س: أنت معروف بتأكيدك الدائم على أهمية التخطيط؟

ج: نعم.

منذ أن غادرت العراق وأنا أحتفظ بمقولة كنت أراها مكتوبة عند زملائي الأجانب:

If you don’t plan, you plan your failure

إذا لم تُخطّط، فأنت تُخطّط للفشل.

التخطيط الجيد مع توفيق الله يوصل الإنسان إلى ما يريد.

س: هل كنت تدوّن يومياتك خلال العمل؟

ج: للأسف لا.

السفر المستمر من دولة إلى دولة أفقدني كثيراً من الأوراق والكتب، لكن معظم التفاصيل مخزونة في الذاكرة.

وكثير من أصدقائي يقولون لي دائماً: اكتب.

س: هل تتذكر يوماً صعباً من أيام العمل في المنارة؟

ج: نعم.

في أحد الأيام ظهر لدينا حيود في الميلان بمقدار أربعة أو خمسة سنتيمترات.

وكان لا بد من إيقاف العمل مؤقتاً، وأُعيدت القياسات والتصوير والنمذجة ثلاثية الأبعاد، واستغرق التوقف قرابة ثلاثة أسابيع.

س: وهل كان لهذا التعديل أثر على شكل المنارة؟

ج: أبداً.

أربعة أو خمسة سنتيمترات لا تعني شيئاً على مستوى الشكل العام، لكنها كانت ضرورية من الناحية الهندسية.

س: ما هو اليوم الأجمل في هذا العام الطويل؟

ج: يوم وضع آخر طابوقة…

يوم الثالث عشر من تشرين الثاني عام 2024.

بعدها وضعنا العلم العراقي على أعلى المنارة.

س: أعلى نقطة في المدينة؟

ج: نعم، أعلى منشأ في مدينة الموصل وفي محافظة نينوى.

س: وماذا عن الضوء في أعلى المنارة؟

ج: عندما أُضيء لأول مرة، كان شعوري أن هذه المنارة عادت لتكون منارة سلام لهذا البلد.

س: تبدو عيناك ممتلئتين بالدمع الآن… لماذا؟

ج: لأن هذه قصة مدينة… وقصة بلد.

هنا، وعلى بعد نحو مئة متر فقط، أعلن أبو بكر البغدادي خطبته، وبعدها فُجّرت المنارة ظلماً.

كان هناك من يريد محو المدينة، وربما محو العراق كله.

س: ولهذا يغلبك التأثر؟

ج: نعم.

أنا عشت مغترباً سنوات طويلة، وكنت أفتقد هذه المشاهد.

لهذا تدمع عيناي… لأن ما نراه هنا ليس حجراً فقط، بل ذاكرة مدينة وكرامة وطن، وعودة حياة.

س: وأنت تعود اليوم إلى الموصل، كيف ترى المدينة الآن؟

ج: بصراحة، أنا مندهش جداً.

جئتُ في السنة الماضية ولم تكن كل هذه الأعمال قد اكتملت.

اليوم أرى أن المدينة أُعيد بناؤها بشكل واضح، وبوتيرة سريعة خلال هذه السنوات السبع.

كوني مهندساً، أستطيع أن أقول إن ما تحقق يُعد إنجازاً كبيراً، والمدينة اليوم أنظف وأكثر أمناً، بفضل الله أولاً.

س: يقال إن أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم، لكن هذه المنارة ليست مستقيمة؟

ج: نعم، هذا صحيح.

هي ليست خطاً مستقيماً، بل فيها انحناء جميل، وكأن هذا الانحناء يحمل معنى الضيافة والترحيب بزوار المدينة.

س: لو كان لهذه المنارة لسان… ماذا كانت ستقول؟

ج: كانت ستقول:

تَبّاً لمن ظلمني…

وشكراً للأيادي التي أعادت بنائي.

س: تقصد الأيادي العاملة في المشروع؟

ج: نعم، لا أتحدث عن نفسي.

أتحدث عن الأيدي العاملة التي اشتغلت في الموقع، وأكثر من مئة شخص من أبناء الموصل.

س: وهل كان هذا الفريق يمثل تنوّع المدينة؟

ج: نعم، عن قصد حرصنا أن يضم الفريق كل أطياف الموصل، وكل مكوّناتها، لتكون صورة مصغّرة عن العراق بكل تنوّعه.

س: في الذاكرة الشعبية، يقال إن المهندس الذي بنى المنارة في بدايات القرن العشرين كان مسيحياً. ما رأيك؟

ج: لا أعتقد أن هذا الكلام دقيق.

ربما كانت هناك فجوة في التوثيق في بدايات القرن العشرين، لكن لا توجد معلومات مؤكدة تثبت ذلك.

س: وأنت تنظر اليوم إلى المنارة بعد كل ما مرّت به، ماذا تمثّل لك الآن؟

ج: تمثّل لي أكثر من مبنى.

إنها ذاكرة مدينة، وشاهد على الألم، ودليل على قدرة الناس على إعادة الحياة من تحت الركام.

س: أخيراً، كيف تحب أن يتذكّر الناس هذا المشروع؟

ج: أتمنى أن يتذكّروه بوصفه عملاً إنسانياً قبل أن يكون إنجازاً هندسياً،

وأن تبقى منارة الحدباء رمزاً للسلام، وللإرادة التي لا تنكسر، وللموصل التي تنهض دائماً مهما اشتدّ عليها الخراب!.