أوكرانيا تتذكر… وأوكرانيا تكرّم بمناسبة الذكرى الـ81 لانتهاء الحرب العالمية الثانية في أوروبا
إيفان دوفغانيتش سفير أوكرانيا فوق العادة والمفوض لدى جمهورية العراق
في الثامن من أيار عام 1945 انتهت الحرب في أوروبا. بالنسبة لأوكرانيا، لا يمثل هذا اليوم مناسبة للاحتفال، بل يوماً للذكرى. لا عروض عسكرية، ولا استعراض للانتصار، ولا ألعاب نارية، بل دقيقة صمت وزهرة الخشخاش الحمراء على الصدور ورؤوس منحنية فوق قبور الضحايا.
خلال الحرب، جُنّد نحو سبعة ملايين شخص من الأراضي الأوكرانية في صفوف الجيش الأحمر، ولم يعد نصفهم إلى ديارهم. أما الذين عادوا، فقد عاد نصفهم بإعاقات دائمة.
وقد اجتاحت خطوط القتال الأراضي الأوكرانية مرتين، من الشرق إلى الغرب ثم بالعكس، ما أدى إلى تدمير مئات المدن وآلاف القرى جزئياً أو بالكامل، فيما اختفت بعض القرى من الوجود مع سكانها. ففي قرية كوريكيفكا بمنطقة تشيرنيهيف الأوكرانية، ارتكبت وحدات نازية مجزرة بحق أكثر من ستة آلاف مدني خلال يومين فقط في آذار 1943، في واحدة من أكبر عمليات الإبادة الجماعية بحق المدنيين في أوروبا المحتلة.
كما تم ترحيل نحو 2.4 مليون أوكراني إلى ألمانيا للعمل القسري ضمن ما عُرف بـ”أوستاربايتر”، ولم يعد كثير منهم إلى وطنه. وشملت معاناة التهجير أيضاً تتار القرم وشعوباً أخرى تعرضت للترحيل القسري في عهد ستالين.
ورغم كل ذلك، قاتل الأوكرانيون بشجاعة، وكانت الحرب حربهم بقدر ما كانت حرب غيرهم. والانتصار على النازية هو أيضاً انتصار أوكراني.
كيف حوّلت موسكو الذاكرة إلى أداة سياسية
لكن روسيا الحديثة، بحسب المقال، حوّلت الحرب العالمية الثانية إلى “عقيدة دولة” خالية من الحقائق التاريخية. ففي الرواية التي يروّج لها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لا وجود لملايين الضحايا السوفييت من مختلف القوميات، ولا للدعم الغربي الذي لعب دوراً أساسياً في دعم الاتحاد السوفييتي خلال الحرب، ولا لجبهات القتال الغربية وإنزال النورماندي.
وبدلاً من ذلك، تروّج موسكو لفكرة أن روسيا وحدها هزمت ألمانيا النازية. وتحولت شعارات التاسع من أيار في روسيا إلى “إلى برلين مجدداً” و”يمكننا أن نفعلها مرة أخرى”، بدلاً من شعار “لن يتكرر أبداً” الذي تتبناه بقية دول العالم.
ويرى المقال أن هذا النهج لم يعد تخليداً للذكرى، بل أصبح “ديناً للحرب”، تُستخدم فيه رموز النصر التاريخي لتبرير الحروب الحالية.
الحرب على أوكرانيا و”أسطورة التحرير”
ويعتبر الكاتب أن هذه “العقيدة” كانت الأساس الأيديولوجي للحرب الروسية الحالية ضد أوكرانيا، مشيراً إلى أن الكرملين أمضى سنوات في ترسيخ فكرة “تحرير الجيران من الفاشيين” في الوعي الروسي.
وأضاف أن القوات الروسية التي دخلت الأراضي الأوكرانية عام 2022 كانت تعتقد أنها تكرر “بطولات الأجداد”، لكنها واجهت مقاومة عنيفة وخسائر كبيرة، حتى في المناطق الناطقة بالروسية التي توقعت موسكو استقبال قواتها فيها بالورود.
“عرض عسكري يخشى السماء”
وأشار المقال إلى أن العرض العسكري في الساحة الحمراء هذا العام سيقام من دون آليات عسكرية ثقيلة للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بسبب المخاوف من هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية.
كما ذكر أن بوتين طلب من الرئيس الأميركي التدخل لإقناع أوكرانيا بعدم استهداف موسكو خلال احتفالات الثامن والتاسع من أيار، في وقت عرض فيه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وقف إطلاق نار شامل يبدأ في السادس من أيار دون تحديد موعد لانتهائه، إلا أن موسكو، بحسب المقال، واصلت هجماتها الصاروخية والطائرات المسيّرة.
العراق في قلب القضية
وتناول المقال أيضاً ملف تجنيد الأجانب في الحرب الروسية على أوكرانيا، مشيراً إلى أن روسيا تستقطب شباناً من دول عدة، بينها العراق، عبر عقود عمل مضللة تتعلق بالبناء أو الحراسة أو الخدمات الفنية.
وأوضح أن بعض العراقيين وجدوا أنفسهم في خطوط القتال دون إدراك لطبيعة الحرب التي زُجّوا فيها، فيما قتل بعضهم أو يواجه آخرون صعوبات في العودة بسبب احتجاز وثائقهم من قبل الجانب الروسي.
وأعرب الكاتب عن تقدير أوكرانيا لموقف الحكومة العراقية الرافض لمشاركة المواطنين العراقيين في الحروب الخارجية، مؤكداً استعداد كييف للتعاون بشأن أي معلومات تتعلق بالعراقيين المتضررين من شبكات التجنيد الروسية.
“التذكر لا يعني التكرار”
وختم المقال بالتأكيد على أن الأوكرانيين في الثامن من أيار لا يحتفلون بالحرب، بل يحيون ذكرى ضحاياها، ويتذكرون أبناءهم وأقاربهم الذين يسقطون اليوم في جبهات القتال داخل أوكرانيا.
وأضاف أن أوكرانيا “لا تستعرض القوة، بل تكرّم ضحاياها”، وتواصل القتال حتى تصبح عبارة “لن يتكرر أبداً” حقيقة واقعة، ليس لأوروبا وحدها، بل للعالم كله، بما فيه العراق الذي عانى طويلاً من الحروب والعنف والاحتلال.


