اشكالية عدم تطبيق النصوص الدستورية

د . فائق زيدان

إشكالية عدم تطبيق النصوص الدستورية تُعتبر من أبرز
التحديات التي تواجه الأنظمة السياسية، خاصة في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية أو تعاني من ضعف مؤسسات الدولة. هذه الإشكالية لا تتعلق فقط بوجود دستور مكتوب، بل بمدى احترامه وتفعيله على أرض الواقع.
وتُصنّف إشكالية عدم تطبيق النصوص الدستورية من أبرز القضايا التي تواجه بناء الدولة الحديثة في العراق، إذ لا تكمن المشكلة في غياب الدستور، بل في ضعف الالتزام بتطبيقه على أرض الواقع. فقد جاء دستور جمهورية العراق لسنة 2005 ليضع أسس نظام ديمقراطي قائم على سيادة القانون وضمان الحقوق والحريات، إلا أن الواقع العملي كشف عن فجوة واضحة بين النصوص الدستورية والتطبيق الفعلي.
لقد مرّ العراق بمرحلة سياسية معقدة بعد حرب عام 2003، ما أدى إلى بناء نظام سياسي جديد اعتمد على التعددية، لكنه في الوقت ذاته تأثر بعوامل عديدة، أبرزها المحاصصة السياسية وتضارب المصالح بين القوى المختلفة. وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على تعطيل بعض المواد الدستورية، أبرزها التأخير في تنفيذ نصوص حدّد لها الدستور مدداً زمنية واضحة.
إن استمرار هذه الإشكالية تترتب عليه آثار خطيرة، من بينها تراجع هيبة الدولة، وتكرار الأزمات السياسية، فضلاً عن إعاقة مسيرة التنمية والاستقرار.
والقاضي بحكم وظيفته، مُلزم بتطبيق القانون، والدستور يأتي في قمة الهرم القانوني، لكن عندما تُخالف السلطة التشريعية أحكام الدستور، ولا يوجد نص صريح يُحدّد آلية مواجهة هذا الإخلال أو جزاء عدم التنفيذ، يجد القاضي نفسه في مأزق حقيقي. فهو من جهة لا يستطيع تجاهل المخالفة، ومن جهة أخرى يفتقر إلى السند الدستوري الذي يُمكّنه من فرض التنفيذ أو ترتيب آثار قانونية واضحة.
هذا الفراغ التشريعي يخلق حالة من الاضطراب القانوني، ويؤدي إلى إضعاف مبدأ سيادة القانون. فالدستور في هذه الحالة، يتحوّل من أداة ملزمة إلى مجرد وثيقة نظرية.
إن معالجة هذه الإشكالية تتطلب تدخّلاً دستورياً أوتشريعياً واضحاً، من خلال النص على آليات ملزمة لتنفيذ أحكام الدستور، وتحديد المسؤوليات والجزاءات في حال الإخلال بها.
ولا يُعدّ عجز القاضي عن الإصلاح في غياب النص قصوراً في دوره، بل هو نتيجة طبيعية لالتزامه بمبدأ المشروعية واحترامه لمبدأ الفصل بين السلطات
كما أن عجز القاضي بسبب غياب النص الدستور لمعالجة عدم تنفيذ الدستور، يُعدّ خللاً عميقاً في بنية النظام القانوني. فاحترام الدستور لا يتحقق بمجرد كتابته، بل بضمان تنفيذه الفعلي، وهو ما يتطلب منظومة قانونية متكاملة تسد هذا الفراغ وتُعيد للدستور هيبته ومكانته.
ويمكن القول إن الدستور العراقي يمثل إطاراً قانونياً متقدماً لبناء دولة عادلة، إلا أن نجاحه يعتمد على الإرادة السياسية الصادقة في تطبيقه، وعلى وعي المجتمع بأهميته. فالدستور ليس مجرد نصوص مكتوبة، بل هو عقد اجتماعي يجب احترامه وتفعيله .