شموع الخضر

عبدالسميع عزاوي
استمعت مرات عدة لاغنية شموع الخضر التي غناها الفنان الكبير ياس خضر في بداية سبعينات القرن الماضي والتي صاغ كلماتها الشاعر الراحل هادي العكاشي ولحنها الملحن المقتدر محمد جواد اموري وقد يكون لوقع الاغنية صدي مميز عندي لاني اعيش في الغربة منذ حوالي سنة ، غير انها من الاغاني الرائعة التي علقت في ذهني مذ كنت صغيراً .
فهذه الاغنية كنت اسمعها مع نهاية كل اسبوع وانا اقضي العطلة الصيفية بدار جدي لامي ببغداد في منطقة الشيخ علي ( شارع حيفا حالياً ) وهذه المحلة قريبة من منطقة خضر الياس الواقعة تحت جسر مدينة الطب حيث يوجد هناك مقام لسيدنا الخضر عليه السلام .
وهذا المقام يزار من قبل الكثير من اهالي المحلات القريبة حيث تقوم النسوة بوضع الشموع في صحن ويدفع الي النهر لطلب المراد ( حسب المعتقد المتداول في ذلك الوقت ) وأذكر ان جدتي رحمها الله كانت تأخذني معها ايام الاربعاء او الخميس في عام 1973 حيث كان خالي مجنداً للقتال في حرب تشرين وبسبب اشتياقها له كانت تاتي الي مقام الخضر لتضيء الشموع مع النسوة وتحمل معها جهاز التسجيل وفيه هذه الاغنية وما زلت اتذكر وقع الكلمات في اذني ونفسي :
‎
جيتك يشط متعني انذرلك نذر…. ليلة اربعاء واعلك شموع الخضر…… بلكت يعود الغايب العيني علي دربه اربيه،،
والاغنية رائعة بحق وكانت تبكي كل النساء الحاضرات في هذا المقام لما فيها من شجن كبير بالكلمات واللحن والاقتدار في الصوت ، وبما اني لم ار المرحوم العكاشي الا انني سالت مرة الملحن اموري عنها وعن المكان الذي كان يقصده الشاعر بالقصيدة وهل هو نفسه مقام الخضر في بغداد؟ 
فاجاب ان هناك مقامات اخرى للخضر في جنوب العراق ولكن العكاشي كتب الكلمات في اطار غزلي ووجداني جمع فيه مشاعر العاشق المتلهف لرؤية حبيبته طارحاً همومه للنهر وصاحب المقام وعسى الله ان يتقبل الدعاء.
وقد يكون حالي كحال غيري من الذين اعجبوا بهذه الاغنية وكان لهم معها ذكريات الا ان روعة اللحن وسماعه في ديار الغربة له اثر كبير على المغترب الذي ترك الوطن ويتامل العودة الي احضانه .. فهي تثير الشجون وكانها خرير ماء في ساقيه عطشي او كانها اندلاق زيت علي حروق.. تلهب المشاعر والاحاسيس لدي المتلقي الذي لديه اوجاع شتي .. ومنها وجع العراق الحبيب الذي تعرض للكثير من المأسي والجروح والتي تنتظر ان تندمل ببلسم شافي ينسيها العنف والغربة .
 ( المقال كتب في عام 2008 اثناء تواجد الكاتب في سوريا ونشر في جريدة الزمان بالعدد 2886)