واقع المنافذ الحدودية في العراق: التحديات ومسارات الإصلاح

كاظم بريسم – رئيس هيئة المنافذ الحدودية السابق

تشكل المنافذ الحدودية في العراق واحدة من أهم المفاصل السيادية والاقتصادية للدولة، لما تمثله من دور محوري في إدارة التجارة الخارجية وتعظيم الإيرادات غير النفطية وتعزيز الأمن الاقتصادي، ومع تصاعد التحديات الاقتصادية والأمنية خلال السنوات الأخيرة، أصبح ملف المنافذ الحدودية أحد أكثر الملفات ارتباطاً بقدرة الدولة على فرض سيادتها وتنظيم اقتصادها الوطني،ورغم الجهود الحكومية المتكررة لتطوير العمل الجمركي وتحسين الإيرادات، إلا أن الواقع العملي ما يزال يكشف عن وجود اختلالات هيكلية عميقة أثرت على كفاءة الأداء والاستقرار الإداري والمالي للمنافذ الحدودية.
أولاً: أهمية المنافذ الحدودية
تمثل المنافذ الحدودية مورداً مالياً مهماً للدولة، خصوصاً في ظل الحاجة المتزايدة لتنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط، كما انها تعد أداة سيادية لتنظيم التجارة الخارجية وحماية السوق المحلية من البضائع الرديئة أو المهربة، فضلاً عن كونها خط الدفاع الأول للأمن الاقتصادي. إن ضعف إدارة المنافذ لا يؤدي فقط إلى خسائر مالية، بل يفتح المجال أمام التهريب المنظم والفساد الإداري وفقدان السيطرة على النشاط التجاري. ولذلك فإن ملف المنافذ الحدودية لا يمكن اختزاله في كونه ملفاً مالياً فحسب، بل هو نقطة تقاطع مباشرة بين الاقتصاد والأمن والسيادة الوطنية.
ثانياً: الإشكالية المركزية في إدارة المنافذ
تعاني إدارة المنافذ الحدودية في العراق من اختلالات بنيوية متداخلة انعكست بصورة مباشرة على استقرار السياسات وكفاءة الأداء وفعالية التحصيل الجمركي. ويمكن تلخيص أبرز هذه الإشكالات بعدة محاور رئيسية. أول هذه المحاور يتمثل في غياب نظام مؤسسي لتقييم الأداء بشكل تراكمي، الأمر الذي أدى إلى ضعف القدرة على قياس تطور الإيرادات وكفاءة الإجراءات وأثر الإصلاحات الحكومية عبر الزمن.
أما المحور الثاني فهو تعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات بين الجهات المختلفة، مما تسبب بتضارب التعليمات وضعف وحدة القيادة الإدارية وتشتيت المسؤوليات ، في حين يتمثل المحور الثالث بضعف استمرارية السياسات الجمركية بين الحكومات المتعاقبة، الأمر الذي أدى إلى غياب الاستقرار التنظيمي وتعطيل الإصلاحات بعيدة المدى ، كما أن عدم استقرار السياسة الجمركية وتكرار التعديلات والقرارات المفاجئة خلق حالة من الإرباك لدى المستوردين ووكلاء الاخراج الجمركي ، وفتح الباب واسعاً أمام الاجتهادات الفردية والتفاوت في التطبيق،  وبذلك أصبحت المشكلة الأساسية في المنافذ الحدودية أقرب إلى أزمة “حوكمة مؤسسية” أكثر من كونها مشكلة تشغيلية أو قانونية.
ثالثا / تقييم واقع حال المنافذ الحدودية
أ- ضعف البنى التحتية في المنافذ الحدودية : تُعد البنى التحتية الضعيفة في المنافذ الحدودية واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الإدارة الجمركية والرقابية في العراق، إذ إن كفاءة أي منفذ حدودي لا تعتمد فقط على الأنظمة والتعليمات، بل ترتبط بصورة مباشرة بتوفر البنية الفنية والتقنية القادرة على دعم إجراءات الفحص والتدقيق والسيطرة.، ولعل ابرز النقاط التي تشير الى ضعف البنى النحية هي مايلي :
1.    لا يزال معظم موظفي الدوائر العاملة في المنافذ الحدودية يعملون في بيئة عمل غير مناسبة،  حبث ان معظم  الساحات المخصصة للعمل الجمركي غير  ملائمة للكشف الجمركي، ، كما ان معظم الطرق داخل المنافذ غير معبدة، ومعظم الطرق التي تربط المنافذ  بمراكز المدن غير صالحة.
2.    نقص في اجهزة كشف الحقائب : ومن خلال الواقع العملي للمنافذ الحدودية، يتضح وجود نقص شديد في أجهزة الفحص والسونار الخاصة بالكشف عن حقائب المسافرين، ولاسيما في المنافذ التي تشهد كثافة عالية في حركة العبور مثل منفذي الشلامجة وزرباطية، في وقت تعاني فيه هذه المنافذ من محدودية كبيرة في أجهزة الفحص أو من وجود أجهزة قديمة ومتوقفة عن العمل، الأمر الذي ينعكس سلباً على كفاءة الإجراءات الأمنية والرقابية ويزيد من احتمالات التهريب أو إدخال المواد الممنوعة.
3.    كما تعاني المنافذ من نقص واضح في أجهزة كشف المخدرات والأجهزة التخصصية المرتبطة بالتفتيش الأمني، وهو ما يمثل تحدياً خطيراً في ظل تنامي نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
4.    نقص كبير في الكوادر النسوية الامر الذي استغل من قبل مهربي المخدرات.
5.    قلة الموازين الجسرية الخاصة بوزن الشاحنات والبضائع، إذ تعتمد بعض المنافذ على ميزان جسري واحد فقط، ما يؤدي إلى توقف عمليات التخليص الجمركي بالكامل عند تعرضه للعطل أو الخلل الفني، وهو ما يتسبب بخسائر اقتصادية وتأخير كبير في حركة التجارة والنقل.