لست ظالماً
القاضي اياد محسن ضمد
“ألا تخشى أن تكون ظالماً”؟
“كيف تنام قرير العين وأنت تصدر أحكاما قد يجانب بعضها الصواب”؟
بـ”وجع نبيل” أواجه شخصيا ويواجه زملائي من القضاة هذه الأسئلة التي تنهمر علينا من بعض الأهل والمعارف، وفي تلك اللحظات، وامام هذا التساؤل الفطري، نتحول من حكام الى متهمين، إن هذه الأسئلة، وفي عمق حقيقتها، ليست إلا انعكاسا لـ”رهبة شعبية” يشعر بها الناس أمام وظيفة القضاء، رهبة تجعلهم يعجزون عن تصور كيف نجرؤ نحن القضاة على تولي مهمة ثقيلة ومعقدة، تثير في مخيالهم القلق والمخاوف.
ان منبع هذه الرهبة يكمن في كونهم يختزلون عمل القاضي في ثنائية وجدانية ضيقة هي ثنائية (العدل والظلم). وهي رؤية محدودة تعجز عن إدراك ماهية العمل القضائي، فالقاضي لا يجلس على منصته باحثاً عن (حقيقة مطلقة) ولا يستند في عمله الى (الهام سماوي) بل هو يبحث عن (الحقيقة القضائية) التي تُبنى عبر هندسة دقيقة لصناعة الأدلة، وتقديم الدفوع، ومراعاة المدد القانونية.
وهنا، لا بد من تفكيك مفهوم (الظلم) خلال مرحلة التقاضي الى صدور الحكم، فالظلم هنا يتحقق عند مجافاة الدليل وعندما يتجاهله القاضي رغم وجوده فيحكم خلافه، اما إذا ضاع الحق فهذا ليس ظلما قضائيا في جميع الاحوال بل قد يكون عجزاً في الاثبات يتحمله الخصم، ومن وجهة نظر العمل القضائي. وباعتقادي، فليس ظلماً ألا ينال صاحب الحق حقه طالما عجز عن إثباته بالدليل، أو أخفق في تقديم دفوعه ضمن المسارات التي رسمها القانون.
إن العدالة التي نطبقها هي (عدالة إجرائية) عدالة تستنطق النصوص وتوجب الحكم لمن يملك البينة، وتمنعه عمن يفتقر إليها.
والقاضي الذي يغلب عاطفته فيحكم لطرف لمجرد الشعور بمظلوميته، مجافياً بذلك أدلة الدعوى، هو القاضي (الظالم) الذي يعارض حقيقة اوراق الدعوى، لأنه سار خلف انفعالاته الشخصية وجانب الأمانة النصية، أما حين يحكم القاضي بالدليل الشاخص، فهو لا يحكم بـ(عاطفته) بل بـ( بروح الجماعة) المتجسدة في القانون.
لذا، فإن غاية العمل القضائي ليست إرضاء العواطف، بل حماية (يقين النظام العام) والقاضي العادل هو الذي يهندس الدعوى وفقا لما ترسمه اوراقها وادلتها، وتكون احكامه انعكاسا للأسانيد القانونية وليس للعواطف والرغبات، والقاضي محكوم بقواعد قانونية صارمة اقرتها ارادة المجتمع، وان شعور شخص بالظلم لأنه لم ينل حقه في دعوى لا يعني بالضرورة وجود خلل في عدالة المحكمة، وانما قد يكون خللا في أدوات الإثبات وهي مسؤولية الخصوم في احيان كثيرة أكثر مما هي مسؤولية المحكمة.

