قبل الترقية والتكليف … تحققوا من الانجاز الحقيقي
د كاظم العقابي
رئيس هيأة المنافذ الحدودية السابق
يواجه العراق اليوم تحديات كبيرة تتطلب وجود قيادات إدارية كفوءة ونزيهة قادرة على إدارة مؤسسات الدولة وتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن. ولهذا فإن قرارات التكليف للمناصب العليا لا ينبغي أن تكون مجرد إجراءات إدارية اعتيادية، بل قرارات مصيرية تؤثر في أداء الدولة ومستقبل مؤسساتها.
خلال السنوات الماضية برزت ظاهرة تستحق التوقف عندها، وهي ظاهرة المسؤول الذي ينجح في تسويق نفسه إعلامياً أكثر مما ينجح في إدارة المؤسسة التي يتولى مسؤوليتها. فقد أصبحت بعض الصفحات والمنصات الإلكترونية وجيوش التواصل الاجتماعي تصنع صورة مثالية لمسؤولين وتقدمهم على أنهم أصحاب إنجازات استثنائية، بينما تكشف الوقائع والمؤشرات الحقيقية على الأرض صورة مختلفة تماماً.
إن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية، ولا بعدد الصور والمنشورات والتصريحات الإعلامية، وإنما يُقاس بالنتائج الفعلية. هل تحسنت الخدمات؟ هل ارتفعت الإيرادات؟ هل انخفض الهدر والفساد؟ هل تطورت المؤسسة مقارنة بما كانت عليه قبل تسلم المسؤول لمنصبه؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون أساس أي تقييم مهني موضوعي.
ومن هنا فإن من حق العراقيين أن يتساءلوا: ما هي المعايير التي يعتمدها صانع القرار عند اختيار المسؤولين للمناصب العليا؟ وهل يتم الاعتماد على مؤشرات الأداء الحقيقية أم على الضجيج الإعلامي الذي قد يصنع بطولات وهمية لا وجود لها على أرض الواقع؟
الأمر لا يتوقف عند الكفاءة وحدها، بل يمتد إلى النزاهة والأمانة الوظيفية، فالمسؤول الذي يتولى إدارة المال العام يجب أن يخضع لتقييم دقيق لسلوكه الوظيفي ونزاهته ومصادر ثروته، كما أن مكافحة الفساد تتطلب عدم الاكتفاء بمراجعة الذمة المالية الشكلية، بل التدقيق في أي تضخم غير مبرر للثروة قد يكون قد تحقق خلال سنوات توليه المنصب.، مع توسيع نطاق التحقق عندما تقتضي الضرورة لكشف اي محاولات لاخفاء او الاصول بطرق غير مباشرة .
وهنا تبرز قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي الشفافية في قرارات الإعفاء والتكليف، فمن حق الرأي العام أن يعرف أسباب إعفاء أي مسؤول من منصبه، كما من حقه أن يعرف أسباب إعادة الثقة به إذا أعيد إلى المنصب نفسه أو كُلّف بمنصب أعلى.
فكيف يمكن للمواطن أن يثق بقرارات التكليف إذا كان مسؤول قد أُعفي من منصبه، وبقي بعيداً عنه لأشهر طويلة، ثم أعيد إليه أو رُشح لمنصب أكبر دون بيان الأسباب؟ إن الإعلان عن أسباب الإعفاء وأسباب إعادة التكليف لا يسيء إلى الدولة، بل يعزز الثقة بقراراتها ويؤكد أنها تستند إلى معايير واضحة وموضوعية.
ولعل أكثر ما يثير التساؤلات أن هذه ليست فرضيات نظرية أو حالات افتراضية، بل إن العراقيين يتذكرون نماذج واقعية لمسؤولين غادروا مناصبهم بقرارات إعفاء لم تُعلن أسبابها للرأي العام، ثم عادوا بعد مدة إلى مواقعهم أو تم تداول أسمائهم لشغل مناصب أعلى، من دون توضيح ما الذي استدعى الإعفاء أولاً وما الذي برر إعادة الثقة بهم لاحقاً. إن مثل هذه الحالات تجعل الشفافية ضرورة وطنية وليست مجرد خيار إداري..
إن العراقيين لا يبحثون عن مسؤولين يجيدون إدارة صفحات التواصل الاجتماعي، بل عن مسؤولين يجيدون إدارة مؤسسات الدولة، ولا يريدون إعادة تدوير الفشل أو منح الفرص على أساس النفوذ والعلاقات أو الحملات الإعلامية، بل على أساس الإنجاز الحقيقي والنزاهة والكفاءة.
إن نجاح مشروع الإصلاح يبدأ من اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب، ولذلك فإن كل تكليف جديد يجب أن يسبقه تدقيق شامل في سجل الأداء والإنجاز والنزاهة، وأن تكون الشفافية حاضرة في كل مراحل الاختيار، خصوصا عندما يتعلق الامر بمسؤول سبق اعفاؤه او اثيرت حول ادائه تساؤلات جوهرية لم يتم توضيحها للرأي العام .
فالعراق يحتاج اليوم إلى أصحاب الإنجاز الحقيقي، لا إلى أصحاب الإنجاز الفيسبوكي.

