في يوم الغدير : هل الولاية كلمات نرددها أم قيم نعيشها؟

د كاظم بريسم – رئيس هيئة المنافذ الحدودية السابق
في يوم الغدير يتبادل الناس التهاني بالثبات على الولاية، لكن يبقى السؤال الأهم: هل الولاية كلمات نرددها أم قيم نعيشها؟

الثبات على الولاية… ثبات على القيم أم مجرد كلمات؟
في هذه المناسبة التي يستذكر فيها المسلمون حدثاً مهماً من أحداث التاريخ الإسلامي، تتردد على الألسن عبارات التهنئة والدعاء بـ”الثبات على الولاية”. غير أن السؤال الذي يستحق التأمل هو: ما معنى الثبات على الولاية؟ وهل هو مجرد انتماء عاطفي أو ترديد لعبارات اعتدنا سماعها، أم أنه التزام عملي بمنظومة من القيم والمبادئ؟
إن الحديث عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لا ينفصل عن الحديث عن العدالة والنزاهة والحق. فقد ارتبط اسمه بتاريخ من المواقف التي انتصر فيها للمظلوم، ورفض فيها الظلم والفساد، وحافظ فيها على المال العام، حتى أصبح نموذجاً للحاكم الذي لم يجعل السلطة وسيلة للمنفعة الشخصية، بل مسؤولية أخلاقية أمام الله والناس.
وعندما نتأمل سيرته نجد أن جوهر الولاية لم يكن شعاراً سياسياً أو اجتماعياً، بل كان التزاماً بالمبدأ مهما كانت التضحيات. فالعدل عنده لم يكن انتقائياً، والحق لم يكن خاضعاً للمصالح، والمال العام لم يكن ملكاً للحاكم أو للمقربين منه، بل أمانة يجب صونها.
ومن هنا فإن الثبات الحقيقي على الولاية لا يقاس بعدد الاحتفالات أو عبارات التهنئة، وإنما يقاس بمدى التزامنا بهذه القيم في حياتنا اليومية. فهل نحارب الفساد حيثما وجد؟ وهل نرفض الظلم حتى لو كان في صالحنا؟ وهل نحافظ على المال العام كما نحافظ على أموالنا الخاصة؟ وهل نقدم الكفاءة والأمانة على المصالح والعلاقات الشخصية؟
ولعل من يتصدى للمسؤولية العامة يدرك أكثر من غيره معنى الأمانة في إدارة المال العام وصيانة حقوق الناس. ومن واقع تجربة شخصية في مواقع المسؤولية، أؤمن أن الثبات على الولاية لا يكون بالقول وحده، بل بالالتزام العملي بقيم العدالة والنزاهة والأمانة في كل موقع يتولاه الإنسان.
فعندما أُتيحت لي مسؤولية إدارة المنافذ الحدودية، كان التحدي الحقيقي هو كيفية تطوير البنى التحتية والخدمات مع المحافظة على حقوق الدولة. ولذلك جرى التوجه نحو مشاريع استثمارية ومشاريع لمكاتب الخدمة هدفها توفير الخدمات وتطوير البنى التحتية وفق الأطر القانونية، مع الحرص على أن تبقى حقوق الدولة مصانة في العقود والالتزامات المبرمة، بعيداً عن أي منفعة شخصية أو استغلال للمنصب.
وفي الوقت ذاته، كان تطبيق القانون على المتجاوزين وعدم السماح لأي جهة أو حزب أو شخصية نافذة بالتأثير على القرارات المتعلقة بالمال العام أو حقوق الدولة مبدأً لا يمكن التنازل عنه. وقد يختلف الناس في تقييم التجارب والقرارات، لكن الذين عملوا معنا يعرفون أن المحافظة على المال العام والابتعاد عن المجاملات على حساب الدولة كانت من الثوابت التي لم نحِد عنها.
ولم تقتصر المسؤولية على حماية المال العام وصيانة حقوق الدولة، بل شملت أيضاً مواجهة الفساد والحد من حالات التعسف والابتزاز التي قد يتعرض لها المواطنون والمراجعون. ومن هذا المنطلق تم تعميم رقمي الشخصي على جميع المنافذ الحدودية، لإتاحة الفرصة أمام المواطنين والعاملين لإيصال شكاواهم وملاحظاتهم بصورة مباشرة.
وكانت الاتصالات ترد في مختلف الأوقات، بما في ذلك ساعات متأخرة من الليل، وكنت أتابع شخصياً ما يرد من شكاوى، لا سيما تلك المتعلقة بوقوع ظلم أو تجاوز على الحقوق، إيماناً مني بأن المسؤول لا ينبغي أن يكون بعيداً عن هموم الناس أو معاناتهم. فمناصرة المظلوم ومنع التجاوز على حقوقه ليست واجباً قانونياً فحسب، بل واجب أخلاقي وإنساني أيضاً.
وقد أسهمت المتابعة المباشرة وتشديد الرقابة ومكافحة مظاهر الفساد في تعزيز الانضباط داخل المنافذ الحدودية، وترسيخ قناعة بأن الإدارة العليا لا تتهاون مع الرشوة أو استغلال النفوذ. ومن النتائج التي تحققت خلال تلك المرحلة تحقيق قفزة كبيرة في الإيرادات الجمركية، إذ ارتفعت إيرادات عام 2018 إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف الإيرادات المتحققة في عام 2016. ولم يكن ذلك نتيجة فرض أعباء إضافية على المواطنين أو التجار، بل نتيجة تشديد الرقابة، وإغلاق منافذ الفساد، وترسيخ مبدأ أن هرم الإدارة في المنافذ لا يقبل الرشوة ولا يسمح بالتجاوز على المال العام. وعندما يشعر العاملون بأن الإدارة العليا تقف بحزم ضد الفساد، فإن ذلك ينعكس بصورة مباشرة على الأداء والإيرادات وحماية حقوق الدولة.
إن أكبر تكريم للمبادئ التي آمن بها الإمام علي عليه السلام هو أن تتحول إلى سلوك وممارسة. فالموظف الذي يصون الأمانة ثابت على الولاية، والقاضي الذي يحكم بالعدل ثابت على الولاية، والمسؤول الذي يحافظ على حقوق الناس وأموالهم ثابت على الولاية، والمواطن الذي يرفض الفساد ولا يبرره ثابت على الولاية.
أما إذا تحولت المناسبة إلى مجرد كلمات تتردد كل عام دون أن تترك أثراً في السلوك، فإننا نكون قد ابتعدنا عن جوهر الرسالة التي حملها هذا النموذج العظيم.
في مثل هذه المناسبات، لعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه ليس: هل أقول إنني ثابت على الولاية؟ بل: هل أمارس في حياتي اليومية القيم التي قامت عليها هذه الولاية؟
فالثبات على الولاية ليس شعاراً يرفع، بل عدالة تمارس، وأمانة تؤدى، وفساد يرفض، وحق ينتصر له في كل زمان ومكان.
وفي زمن كثرت فيه الشعارات وقلت فيه المواقف، تبقى قيمة الإنسان الحقيقية بما يتركه من أثر في خدمة الناس وصيانة حقوقهم، لا بما يردده من كلمات. فالقيم التي جسدها الإمام علي عليه السلام لم تكن كلمات تقال، بل منهج حياة يقوم على العدل والصدق والنزاهة وتحمل المسؤولية.
وكلما اقتربنا من هذه القيم في سلوكنا وأعمالنا، كنا أقرب إلى المعنى الحقيقي للثبات على الولاية، وكلما ابتعدنا عنها، بقيت الكلمات حاضرة وغابت المضامين التي من أجلها خُلّدت هذه المناسبة في وجدان المسلمين.