العراق وشبه الفراغ الحكومي

سيل نيوز / متابعة وكالات
أكثر من خمسة أشهر مرت على إعلان النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية العراقية التي جرت في 11 تشرين الثاني 2025، وما زال العراق يعيش في شبه فراغ حكومي (حكومة تصريف).
يواجه الإطار التنسيقي، الكتلة الشيعية الأكبر في البرلمان، أزمة داخلية عميقة تحول دون تقديم مرشح موحد لرئاسة الوزراء، في وقت يضيق فيه الوقت الدستوري.

يجتمع قادة الإطار (12 قياديا رئيسيا كل واحد بصوت متساوين) مرارا وتكرارا.. دوريا وطارئا.. كل يوم في بيت او مكتب لاحد الزعماء، لكنهم يخرجون في كل مرة بـ”تأجيل” جديد وبحديث عن “آليات الاختيار” بدلا من اسم واضح.
آخر هذه الاجتماعات اجل مرات عدة خلال الأسبوع الماضي، وعاد الملف إلى “نقطة الصفر” رغم تداول أسماء مثل باسم البدري (رئيس هيئة المساءلة والعدالة)، محمد شياع السوداني (الرئيس الحالي الطامح بولاية ثانية)، ونوري المالكي الذي يواجه فيتو اميركيا واضحا.

ينقسم الإطار حاليا إلى ثلاثة أجنحة رئيسية: جناح يدفع بقوة نحو نوري المالكي أو مرشح قريب منه (مثل البدري في مراحل سابقة).
جناح آخر يصر على تجديد الولاية للسوداني، مستندا إلى ما يعتبر “استقرارا نسبيا” في إدارته الحالية ودعما نيابيا يصل إلى 46-50 نائبا او مرشحه.
جناح ثالث يبحث عن “مرشح تسوية” أو “توافقي” لتجنب الصدام.

المشكلة ان الخلاف يصطدم دائما في سؤال لماذا هذا وليس ذاك، ما هي الالية التي رجحت سينا على صاد. وهكذا لم يعد النقاش يدور فقط حول الأسماء، بل حول الآلية نفسها: هل يحسب “الثلثان” على أساس عدد القادة الـ12 ام على أساس عدد النواب؟ هل يكفي الأغلبية البسيطة ام يجب التوافق الكامل؟ هذا النقاش الإجرائي يكشف عن عمق الشقاق فالإطار الذي يملك “الكتلة الأكبر” دستوريا يتصرف وكأنه تحالف هش غير قادر على إدارة خلافاته الداخلية.
يضاف إلى ذلك ضغوط خارجية واضحة: رفض اميركي (خاصة من إدارة ترامب) لعودة المالكي وضغوط ايرانية غير مباشرة عبر زيارات مثل زيارة اسماعيل قاآني، إلى جانب تعقيدات مع القوى الكردية والسنية التي ترفض بعض الأسماء “المثيرة للجدل”.

هذا التعثر ليس حدثا استثنائيا انه نمط متكرر في السياسة العراقية منذ 2003. كل مرة بعد الانتخابات تتحول عملية تشكيل الحكومة إلى سوق مزايدات وصفقات، حيث يفضل “التوافق” على حساب الكفاءة والبرامج.

الإطار التنسيقي الذي بدا واثقا عقب اعلان النتائج ووعد باسرع حكومة يبدو اليوم عاجزا عن إدارة بيته الداخلي رغم سيطرته البرلمانية.

أكثر من خمسة أشهر من الانتظار تعني: استمرار حكومة تصريف اعمال محدودة الصلاحيات.
تأخير الموازنة والإصلاحات الاقتصادية.
فراغ امني وسياسي يستغل فيه التوترات الإقليمية.
إحباط شعبي متزايد من طبقة سياسية تداري فشلها بالاجتماعات الطويلة والتصريحات المطاطة.

الحديث عن “آليات الاختيار” اليوم يشبه تماما ما سمعناه في دورات سابقة: محاولة لكسب الوقت وتغطية العجز عن اتخاذ قرار حاسم. إذا استمر هذا الوضع، قد يدخل العراق في أزمة دستورية حقيقية، أو تفرض حلول “توفيقية” هشة تعيد إنتاج نفس المشكلات: حكومات ضعيفة، محاصصة مستمرة، وفساد.

الإطار يملك الأغلبية، لكنه يفتقر إلى الإرادة السياسية الموحدة. الفشل المتكرر في حسم مرشح رئيس الوزراء ليس مجرد خلاف شخصي او اجرائي انه انعكاس لأزمة بنيوية وإذا لم يتمكن قادة الإطار خلال الأيام القليلة المتبقية من تجاوز خلافاتهم فإن ذلك سيكون دليلا اضافيا على ان “الكتلة الأكبر” في البرلمان اصبحت اضعف من ان تحكم فعليا.
والضحية الوحيدة ستكون المواطن العراقي الذي ينتظر حكومة قادرة على تقديم خدمات وامن وفرص عمل لا مجرد اجتماعات لا تنتهي و”آليات” لا تقرر.